القرطبي

265

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

أفأتصدق بثلثي مالي ؟ قال : ( لا ) ، قلت : أفأتصدق بشطره ؟ قال : ( لا ، الثلث والثلث كثير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ) الحديث . ومنع أهل الظاهر أيضا الوصية بأكثر من الثلث وإن أجازها الورثة . وأجاز ذلك الكافة إذا أجازا الورثة ، وهو الصحيح ، لان المريض إنما منع من الوصية بزيادة على الثلث لحق الوارث ، فإذا أسقط الورثة حقهم كان ذلك جائزا صحيحا ، وكان كالهبة من عندهم . وروى الدارقطني عن ابن عباس ، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تجوز الوصية لوارث إلا أن يشاء الورثة ) . وروي عن عمرو بن خارجة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا وصية لوارث إلا أن تجيز الورثة ) . الرابعة عشرة - واختلفوا في رجوع المجيزين للوصية للوارث في حياة الموصي بعد وفاته ، فقالت طائفة : ذلك جائز عليهم وليس لهم الرجوع فيه . هذا قول عطاء بن أبي رباح وطاوس والحسن وابن سيرين وابن أبي ليلى والزهري وربيعة والأوزاعي . وقالت طائفة : لهم الرجوع في ذلك إن أحبوا . هذا قول ابن مسعود وشريح والحكم وطاوس والثوري والحسن بن صالح وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وأبي ثور ، واختاره ابن المنذر . وفرق مالك فقال : إذا أذنوا في صحته فلهم أن يرجعوا ، وإن أذنوا له في مرضه حين يحجب عن ماله فذلك جائز عليهم ، وهو قول إسحاق . احتج أهل المقالة الأولى بأن المنع إنما وقع من أجل الورثة ، فإذا أجازوه جاز . وقد اتفقوا أنه إذا أوصى بأكثر من ثلثه لأجنبي جاز بإجازتهم ، فكذلك ها هنا . واحتج أهل القول الثاني بأنهم أجازوا شيئا لم يملكوه في ذلك الوقت ، وإنما يملك المال بعد وفاته ، وقد يموت الوارث المستأذن قبله ولا يكون وارثا وقد يرثه غيره ، فقد أجاز من لا حق له فيه فلا يلزمه شئ . واحتج مالك بأن قال : إن الرجل إذا كان صحيحا فهو أحق بماله كله يصنع فيه ما شاء ، فإذا أذنوا له في صحته فقد تركوا شيئا لم يجب لهم ، وإذا أذنوا له في مرضه فقد تركوا ما وجب لهم من الحق ، فليس لهم أن يرجعوا فيه إذا كان قد أنفذه لأنه قد فات . الخامسة عشرة - فإن لم ينفذ المريض ذلك كان للوارث الرجوع فيه لأنه لم يفت بالتنفيذ ، قاله الأبهري . وذكر ابن المنذر عن إسحاق بن راهويه أن قول مالك في هذه المسألة